أنت مجرد حشرة… !

أن نحكي حكاياتنا الخاصة , كما لو كانت تخص الآخرين , وأن نحكي حكايات الآخرين كما لو كانت حكاياتنا الخاصة .

أورهان باموق“.

 يردد البعض مقولة : إن البشر يتشابهون كما يتشابه الموسيقيون في أوركسترا, ومن العبث محاولة فهمهم فهما منفردا فهذا أشبه بشهوة مضاعفة للألم , .. فهل هذا حقيقي ؟  

يبدو لي ذلك التنميط عسير الهضم , ولا أحب الانجرار إلى  التعميم الجاهز المريح  المعوّل على التكرار والتشابه , لأن جغرافية النفس البشرية تحتم علينا تجاهل فكرة التشابه والقفز نحو تلمس نقاط الاختلاف والتمايز التي تفرضها محددات الهوية وحدود الذات .   “حينما استيقظ غريغوري سامسا ذات صباح , بعد أحلام مضطربة , وجد نفسه وقد تحوّل إلى حشرة هائلة ” رواية المسخ لـ ” كافكا”. لا نختلف على لغة كافكا فهي لغة جسورة تصاحب هذا الخيال الذي ينسف كل ما تعارفنا عليه من مسلمات , حول التفكير بالإنسان ومصيره .. كان  سامسا كمن استيقظ وقد أصبح أكثر وعيا بذاته , فالوعي بالذات يجعل المرء سعيداً دون فزع , وبطريقة مفرطة اعتمد على وعيه هذا ونسي من وما حوله, إن هذا النوع من الخيال هو ما يجعلنا نتوقع اختلاف الآخرين عنا ونفترضه ابتداءً ، والتوافق مع طبيعتنا الباحثة عن التميز والاختلاف والفرادة , فالإنسان بطبيعته ينشد الحضور الاستثنائي كالرحالة الذين دأبوا على البحث عن المجهول وتحدي المستحيل .

يمكن تشبيه معرفة المسافة بين الذات والآخر بمن يحاول التعرف على  مسافة بين الحلم والحقيقة فلا يمكن الخلط بينهما, صدرت رواية كافكا ” المسخ ” و لأول مرة ونشرت في عام 1915م   ، وعبر الزمن كانت من أشهر الأعمال وأكثرها تأثيراً نتيجة لأختلاف موضوعها وخروجه عن المألوف , لدرجة أن الدراسات المختلفة المتعلقة بها  موجودة في العديد من الجامعات والمعاهد حول العالم , وكثيرون يعدونها إحدى أفضل رحلات الخيال الشعري المكتوب في القرن العشرين على حسب مقولة إلياس كانيتي . وتدور أحداث الرواية حول التاجر جريغور سامسا الذي يستقيظ من نومه فجأة  وقد تحول إلى حشرة بشعة , وفي الرواية يجري هذا الحدث وكأنه واقع , جريغور رجل بسيط  لدية وظيفة مملة “بائع متجول” , تجبرة على السفر للمدن بالقطار كل صباح , حيث يكابد الشقاء كل يوم ليعول أسرته, ولكن كافكا هنا يتدخل ليجعل الأحداث الرتيبة والمتوقعة غير متوقعة حيث يتحول غريغور إلى  حشرة, وعظمة كافكا هنا تكمن في إقناع القاريء بالحدث والتعامل معه كواقعة حكائية يغوص فيها على الفكرة و الجوهر ولايعبأ كثيرا بغرابة المظهر وعدم معقوليته  , و يبقى سند الإقناع بيد كافكا عن طريق جعل جريجور نفسه يتمنى أن يكون هذا مجرد حلم وكابوس , مع شكه الذي يقترب من اليقين باستحالة عودته لطبيعته البشرية . وصف كافكا لجريجور عند تحوله لحشرة كان مذهلاً حيث بقاء صوته  الغريب الذي لم يعد بشريا ,صوت مفاصله عند حركته , منظره البشع ,  تفاصيل يومية تتوالى تجعلنا مرة نتعاطف مع جريجور ومرة نتعامل معه على أساس أنه حشرة ، حيث فقد عائلته وكل من حوله إلا دعم أخته التي يئست و تخلت عنه في النهاية , فلم يكن أمامه إلا الموت الذي فتح فكيه له لابتلاعه . في هذا النوع  ( العبثي )  من الأدب ,تكمن براعة كافكا  الذي جعل من البطل سامسا  بطلا مقهورا مسحوقا بصورته البشرية ومنسيا بعد تحوله وكأنه يقول : هذا هو تقييم الإنسان الكادح البسيط في هذه الحياة القاسية وهذي هي قيمته عند الآخرين ..فليس بينه وبين  الحشرة  اختلاف يُذكر. حاول كافكا إماطة اللثام عن عذابات الإنسان الخارجية والداخلية ولكل إنسان وبشكل خاص عذاباته ونعيمه وجنته وجحيمه  , آثامه وخطاياه, و بخيال مجنح قاسي يدعو كافكا لكسر كل جمود ومسلمات تحيط بنا رافضاً التنميط البشري .فالذات البشرية تعيش اللاطمأنينة , مثل عشاق السفر والرحلات يطيلون أمد الرحلة – إذا لم تفرض عليهم مدتها- وكأن التنقل غاية في ذاته ،  إنهم يفترضون بأن حالة الحركة الدائمة تضمن لهم التفرد والاختلاف والوصول إلى أعماق الذات والكينونة .

إذاً يجب ألا نستغرب عندما نرى من يفضل السير في  الطرقات الأطول والأبعد , وهكذا في الحياة هناك  من يخسر طمأنيته وراحته في سبيل البحث عن ذاته , وهناك من يستكين للسكون ويسلم نفسه للنمطية , وهناك من يتحول إلى حشرة هروباً من رتابة الأيام.

اخبار الأدب المصرية

اترك تعليق

avatar
  الإشتراك  
نبّهني عن
للأعلى