كلنا الراعي سينتياغو…!

يقضي معظم الناس حياتهم وهم يناضلون ويكافحون لتجنب ثلاث أسئلة تكمن أجوبتها في التفكير والمشاعر والعمل لدى كل شخص منا، بوعي أو دون وعي، وهذه الأسئلة هي: أين أنا؟ كيف أعرف ذلك؟ وماذا عليّ أن أفعل؟ هذه الأسئلة التي تبدوا للوهلة الأولى سهلة الأجوبة ولكنها في الواقع عسيرة الإجابة كعملية رياضية معقدة، كيف يمكن أن نتعامل مع هذه الأسئلة الصعبة، وكيف يمكن أن نجيب عليها بطريقة واضحة، هذه الأسئلة الفلسفية يصعب الإجابة عنها بسهولة، فالفلسفة تدرس الجوانب المرتبطة بالكون والعالم والتي تتعلق بكل الموجودات، فالفلسفة هي التربة التي تنمو فيها المعرفة الأساسية لطبيعة الوجود الإنساني. إن مدى ثقتنا الذاتية بأنفسنا، ومدى نجاحنا في حياتنا سيختلف حسب أجوبتنا على تلك الأسئلة، أيضاً اللاوعي الخاص بنا هو ما يجمع أفكارنا وينظمها ومن يزوده بتلك الأفكار هو العقل الواعي، لذلك نحن نحتاج إلى تدريب العقل الواعي لمعرفة عمق معارفنا ومشاعرنا وماذا نريد فعلاً، فنحن لا يمكن أن نعيش في المنطق فقط فنحن نحتاج للبعد العاطفي الذي يوجه سلوكياتنا وأفكارنا ومواقفنا، وفلسفة طرح الأسئلة نتعرض لها في الروايات التي تجيب غالباً على الأسئلة الفلسفية الوجودية وتوظفها بشكل فعال، لذلك بعض الروايات تؤثر في الكثير من القضايا وتحملها على جناح الإنسانية والوفرة، ولقد كان باولو كويلهو في روايته “الخيمائي” وهي إحدى الروايات التي أحببتها، حيث إنها أكثر الروايات التي تحمل عمقاً فلسفياً لكينونة الإنسان وطبيعته القلقة من خلال الراعي “سينتياغو” الذي كان الكتاب هو رفيقه في وحدته ونقله إلى ساحة العالم ومن خلاله حقق أسطورته الشخصية، فواقع الإنسان وطريقة تفكيره وسلوكه هي ما يحدد من هو وفي هذه الرواية كان والتبادل الحر للأفكار، والنقاش، والجدال، والاستماع، والتأمل أولاً هو ثيمتها الروائية، فكويلهو كان يحمل بين حناياه الكثير من الأرواح وأكثر من عقل لأنه آمن بذاته فأبدع روايته، فالكاتب هو إنسان بالدرجة الأولى ولدية دائماً أشياء مشتركة مع البشر جميعاً، الصراع، الحب، الرغبات، فنحن نشبه بعضنا فيما نعيش به وفيما نتألم من أجله، والعالم هو مكان للجميع، والآخرون يعطون شكلاً للحياة ويزودون الكاتب بالكثير من المشاعر، ففي داخل كل إنسان معركة قائمة بذاتها، من محاولة الثقة بالنفس، وطلب السكينة الداخلية، والقيم التي يحتاجها ويريد اكتشافها، وأمام هذه الحياة المليئة بالتناقضات فلا شيء يُعطى للإنسان تلقائياً لأن قانون الحياة هو الحركة فالذات القلقة والمليئة بالأسئلة الكثيفة والبحث عن الحقيقة المتصدعة بكل شقوق الزمن هي التي تنجو في النهاية من فخ الجمود والملل.

جريدة الرياض

0 0 vote
Article Rating
الإشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
للأعلى