جاك القدري

فضيلة الكاتب الوحيدة هي المعرفة.

“هرمان بروخ روائي نمساوي”

اخترت الكتابة وكانت الكتابة قدري، لأني وجدتها أداة لتحريك كل ما حولي، وبث شجوني ومشاعري، غضبي وحزني، وسعاداتي الكثيرة، وهي أحدى أقدم أشكال الاتصال بين الذات والآخرين والانتقال بين العوالم والحيوات، لايستطيع الإنسان انتزاع نفسه من محيطه ومجتمعه الضيق والكتابة تعطي قدرة على اقتحام ماخلف النطاق.

أملك رغبة في الخوض في تفاصيل لا يتطرق إليها أحد، ولدّي حاجة إلى أن أكتب عمّا لم يقل من قبل!

ولعل  دوافعي الأكبر للاستمرار هو إدراكي  للاختلاف والتنوع. و الكاتب الحقيقي من وجهة نظري يجب ألا يكون انتقائياً بل يجب أن يُجبر نفسه على فهم ما يدور حوله ويتفادى إصدار الأحكام، إذ ليس من مهامه أن يكون  قاضياً، بل يجب أن يبقى مبدعاً مبدعا وحسب ويُعين على الإبداع، رغم صعوبة التخلّص من الأحكام المسبقة، لكن تعوّد التأني ودأب الحرص على الحياد، والتفكير في الأمور من كافة الزوايا وكافة الرؤى حتماً سيكون عاملاً مساعداً في الابتعاد عن جاهزية الأحكام.

والحقيقة أننا لسنا ملزمين ببناء العالم وإصلاح ما تهدم منه، ولكننا ملزمين بالبحث عن الحقيقة. وأعتقد أنني ككاتبة سئمت حقاً من استثمار كل كلماتي الرقيقة والمتسامحة في محاولة يائسة لتلطيف هذا العالم السيئ التنظيم، وكلما حاولت إزالة الحواف الخشنة مما حولي، تظهر لي وجوه بائسة وساخطة تعيدني للمربع الصفري الذي بدأت منه تفاؤلي..!

والسؤال الذي يلحّ عليّ أكثر: كيف يستطيع الكاتب أن يتلمس بيديه موضع الألم، وترياق الشفاء؟

هذا السؤال الذي ظل يلازمني كظلي وجدت إجابته في رواية الفرنسي دوني ديدرو (جاك القدري)، ومنذ البداية كانت إحدى الروايات التي أحببتها، حيث إنها من أكثر الروايات التي حاكت واقع الإنسان وطريقة تفكيره وسلوكه.

وموضوع الرواية الرئيس هو علاقة بين الخادم جاك وسيده الذي لم يُذكر اسمه قط. يرتحل الاثنان لوجهة يتركها الراوي غامضة، ولتبديد ملل الرحلة، يضطر جاك لرواية قصص حبه بأمر من سيده. لكن قصة جاك غالباً ما كانت تقاطع من قبل شخصيات أخرى وحوادث عديدة. يروي الشخوص الآخرون الذين يظهرون في الرواية قصصهم، لكنهم أيضاً يُقاطعون باستمرار.

ثمة قارئ يقاطع الراوي بطرح الأسئلة ويطلب المزيد من التفاصيل. وتتميز الشخصيات المركبة بانغماسها في الخداع. فلسفة جاك الرئيسية هي أن كل شيء يحدث لنا سواء كان خيراً أم شراً مكتوب مسبقاً في لفافة كبيرة، يتم بسط جزء يسير منها كل مرة. لكن جاك يستمر في إضفاء قيمة على أفعاله، وفي الرواية تظهر شخصيات جديدة كل مرة تتحدث وتقاطع، فمن شخصية الجنديين في الجيش حتى شخصية الأب هدسون، وفي نهاية الرواية كان هناك إثبات قطعي من جاك أن سيده لا يستطيع العيش بدونه، وبذا فإن جاك يكون هو السيد والسيد هو العبد.

بعد قراءتي الرواية تساءلت هل باتت المشاكل أكثر لطفاً؟ أم أن الحياة تحسنت على نحو كبير؟ فالكاتب هنا خرج بأقصى ما يمكن الحصول عليه من شخصيات متناقضة، لأنه فهم أن الكتابة تحتاج إلى حياة عامة، وتبادل حر للأفكار، والنقاش، والجدال، والاستماع، وعليه فالكاتب (أي كاتب) ليس ملزما بالكتابة فقط بل يلزمه التأمل أولاً، وإمعان النظر وتقمص الأدوار لأنه لابد أن يحمل بين حناياه الكثير من الأرواح !

لكن متى و كيف يؤمن الكاتب المبدع بذاته؟

الإجابة على السؤال صعبة و قد تطول وتتشع، ولكن الأساس في الكاتب أنه إنسان ولديه دائماً أشياء مشتركة مع البشر جميعاً، الصراع، الحب، الرغبات، فنحن نشبه بعضنا فيما نعيش به وفيما نتألم من أجله، العالم هو مكان للجميع، والآخرون يعطون شكلاً للحياة ويزودون الكاتب بالكثير من المشاعر، إن الكاتب الذي يرفض كل شيء ويتصيد ما يروق له ويتوافق مع أهدافه غير أمين على الواقع، لأن الالتزام بالحقائق المجردة والموضوعية في الطرح هو أساس الكتابة، ويجب أن يكون في داخل كل كاتب معركة قائمة، بين الشخوص و الاضداد فيظهر له البائس والسعيد الفقير والغني الشجاع والجبان ببعدهم الإنساني الصرف كي يفهم الكاتب ماحوله وكي تُفهم الطبيعة الإنسانية.

ثمة سؤال آخر : في هذه الحياة المليئة بالتناقضات هل يستطيع الكاتب الحقيقي أن ينحاز و يتخندق؟!

أخبار الأدب

0 0 vote
Article Rating
الإشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
للأعلى