الفلسفة في فضاء القصة القصيرة

لا توجد صورة

توطئة :

       في رؤيته لأنواع السرد في العالم أشار “رولان بارت” بأنه لا حصر لها(1)، وأن كل مادة تصلح لكي تتضمن سردًا، (فالسرد يمكن أن تحتمله اللغة المنطوقة شفوية كانت أم مكتوبة- والصورة ثابتة كانت أم متحركة، والإيماء، مثلما يمكن أن يحتمله خليط منظم من هذه المواد، والسرد حاضر في الأسطورة وفي الحكاية الخرافية، وفي الحكاية على لسان الحيوان، وفي الخرافة وفي الأقصوصة والملحمة والتاريخ والمأساة والدراما والملهاة، واللوحة المرسومة، وفي النقش على الزجاج، وفي السينما الكومكس، والخبر الصحفي التافه، وفي المحادثة، وفضلا عن ذلك فإن السرد بأشكاله اللانهائية تقريبًا حاضر في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، وفي كل المجتمعات فهو يبدأ مع تاريخ البشرية ذاته، ولا يوجد أي شعب بدون سرد) (2).

       إن موضوع الفلسفة في فضاء القصة هو (القصة) ذاتها؛ فهو موضوع مميز ومهم, سواء أكانت القصة تمثل مشهدًا من مشاهد الحياة أو تحكي تاريخًا ما، أو تروي علاقة البشر بعضهم ببعض, أو علاقتهم بالزمان والمكان، فإنها غالبًا تقدم شيئاً ملهماً, بينما  في المقابل تتجه الفلسفة إلى البحث عن الحقيقة.

       وهنا نتساءل كيف أمكن للفلسفة أن تدخل على القصة وتجعلها تابعًا لها، مع اختلاف الموضوع في كل منهما؟.

       يرى”شلنج” (3) أن الفن ليس أمرًا غريبًا عن الفلسفة، وليس آلة لها، بل هو في حقيقة الأمر مصدرها وينبوعها الأول، فلقد انبثقت التأملات الفلسفية المبكرة عند اليونان من روائع الشعر وإبداع الفنانين، ولا شك أن الإلياذة والأوديسة(4) تعدان خير دليل على هذا الرأي؛ ولا بد في نظره من أن تعود الفلسفة فتقطع مسيرتها الأولى، أي أن تصدر في عصرنا هذا عن الفن وترتبط به وتتفاعل معه.(5)

       ونعود مرة أخرى لنتساءل لماذا لا تخدم الفلسفة الأدب (القصة) ؟ فمنذ نشأة الفلسفة ارتبط التفلسف بالقصة, لذلك سوف نناقش هذا الموضوع من خلال الآتي:

-كيف تخدم الفلسفة القصة كما خدمت القصة الفلسفة؟

       اعتاد “ويت بيرنت” أن يقول لتلاميذه في جامعة كولومبيا: لا اعتقد أن بإمكانكم كتابة قصة جيدة, دون أن يكون بداخلكم قصة جيدة, وأفضل أن يكون لديكم شيء تقولونه دون بناء فني, على أن يكون لديكم بناء فني دون شيء تقولونه(6).

       في الواقع كل واحد منا يعيش داخل قصة، قد يكون البطل فيها وقد يكون مجرد عنصر ثانوي ولكنه مكمل للقصة, فنحن نعيش في كل لحظة في بيئة محددة من الزمان والمكان حيث تقوم حواسنا بالتقاط الخبرات والمفاهيم والصور عن العالم حولنا, ولذا فنحن خاضعون لأمرين: الحالة العاطفية عند تواصلنا مع ما حولنا,الأمر الآخر هو مدى تأثرنا بما حولنا، مما يترتب عليه من رؤى وسلوك وتصرفات.  

       وعلى هذا الأساس  أثيرت بعض الأسئلة:

– كيف نستخدم الفلسفة كمشهد لقصة جيدة الحبك ؟

-ماذا ينبغي أن يحتوي البعد الفلسفي للقصة بالإضافة الى الوصف– الحسي ليصبح تصويرًا فلسفياً متتابعا لأحداث القصة ؟

       فالقصة ليست جامدة ومحاطة بمعايير محددة ونهائية, ولكنها كيان حيوي ومتجدد يتجدد بوعينا ويتغير بتغير رؤيتنا للحياة, وهذا هو المحك الرئيسي الذي تقاس على وقعه إبداعية العمل وقدرته على الاستمرار.

       لقد أعاد فوز الكاتبة الكندية “اليس مونرو” بجائزة نوبل للآداب لعام 2013م وهج القصة, وكانت هذه خطوة للخروج من جو الرواية إلى جو القصة ذلك (الفن الرهيف) الذي عاد وبقوة بعد أن ظن البعض أنه قد اندثر وانتهى أوانه, حيث أن القصة من الابداعات التي جَمّلت حياة الأدب, فهي تبدأ من عتبات الروح الى سماء القلب, هنا اتحدث ليس تحيزاً للقصة فلكل فن من فنون الكتابة عرشه الوثير, فالعمل الفني يشكل محوره الاساسي دائما.

       ومن المناسب في هذه المرحلة أن نتذكر أن القصة هي سلسلة من المشاهد الموصوفة التي تبرز فيها حالة تتطلب شخصية حاسمة ذات صفة مسيطرة تحاول حل مشكلة ما من خلال الأحداث التي ترى أنها الأفضل لتحقيق غرضها, والتي تتعرض لبعض التداخلات والتعقيدات حتى تصل الى نهاية قراراتها الأخيرة(7).

       وقد استندت المقاربات النقدية لفن القصة إلى عدة معايير، بعضها أنصب على الجوانب الدلالية والبعض الآخر على الجوانب الشكلية؛ ومن هنا جاءت هذه الورقة  عن (فضاء الفلسفة في القصة)، كفن يجب أن يستخدم الفلسفة لتمرير الأفكار والمشاهد والصور والمفاهيم ، والعناصر البنيوية الفلسفية التي تخدم القاص والنص والمتلقي .

تداخل القصة بالفلسفة:

       لقد كان للفلسفة تأثيراً كبيراً على الأدب؛ولقد دخل فولتير عالم الابداع من باب القصة والرواية والمسرح والفلسفة,وقد كتب الكثير في القصة الفلسفية  حيث أن شهرته الأدبية ترجع إلى اليها , حيث تدور وقائعها بصفة عامة ، في بيئة شرقية ، والتي كانت عند فولتير وسيلة مهمة للتعبير عن نقده ، وفلسفته وآرائه في السياسة والدين والمجتمع .‏“وقد تجلى في قصصه  فيلسوفاً حراً، وفناناً موهوباً، وهو يمزج الواقع الفرنسي الأليم بمغامرات أبطاله، وتأملاته الفلسفية، بالمخاطر والأهوال، متسللاً ـ دائماً ـ عبر أبسط حدث، ليقول ما يريد أن يقوله، وليعبر بكل حرية عن المعاناة، وينتقد الاستبداد والظلم والطغيان “(8).

لقد أسهم فولتير في خدمة الفن القصصي وقد امتاز بالتدفق والوضوح ولم يجد لقصصه إطاراً

 أفضل وأجمل من الإطار الشرقي ليصب فيه أفكاره وتأملاته .‏

ومن أهم قصص فولتير الشرقية:‏

زاديج أو القدر ـ والعالم كما تسير (1748).‏

بابك والفقهاء 1750 ـ كانديد والتفاؤل 1759‏

الأبيض والأسود 1764 ـ الساذج 1766‏

الرجل صاحب الأربعين درهماً ـ أميرة بابل 1768‏

الحمال الأعور ـ والثور الأبيض 1774‏

“فإن في كل قصة من قصصه موضوعاً فلسفياً معيناً، أو مجموعة قضايا فلسفية، يربط بينها ربطاً محكماً. أما أبطاله فهم من فئات اجتماعية مختلفة، فيهم الملوك والأمراء، والقواد والفلاحون، وهم يتأملون فينعمون بقدرها، تخيب آمالهم في الحياة فيتعسون، لأنهم عاجزون عن أن يفلسفوا موقفهم، يساعدون الناس فيجزون شراً بما قدموا من خير، ويرتكبون شراً فيكافؤون شرفاً ومالاً. وهم يرقصون في الوجود الإنساني، وكأنهم دمى مشدودة إلى أصابع فولتير يحركها كيفما يشاء”.‏(9).

ايضاً زاوج سارتر بين الأدب والفلسفة، ففي رواية سارتر (الغثيان -1938م) والكثير من مسرحياته تجلىّ الفكر الفلسفي في سياق قصصه بشكل مدهش, حيث تشكل قصصه من خلال دلالتها وألفاظها ومضمونها موقفاً فلسفيا وجودياً, حيث كانت رواية (الغثيان) هي بذرة وركيزة أساسية في أعماله المعبرة عن موقفه الوجودي, وبعد ذلك نشر روايته الكبيرة (دروب الحرية-1945/1947) والتي تؤكد على موقفه وفكره الوجودي أيضًا, وتلاها (الأبواب المغلقة) و(الدوامة)، وقد كان لها بالغ التأثير على جمهوره الذي أحبها, ويمكن اعتبار جون بول سارترJean Paul Sartre، أوسع الوجوديين تأثيراً في أدباء العصر من جهة، وأكثرهم عناية بالبحث في وظيفة الأدب من جهة أخرى؛ وقد لاقت فلسفته/ نظريته في الأدب ترحيباً قوياً عند كثير من المثقفين والنقاد في مختلف أرجاء العالم، الذين وجدوا في آثاره (بذور التفكير العميق الملتزم، واتجاه التحرير الفكري والسياسي والاجتماعي)( 10).

       وهنا كانت القصة في فلسفة سارتر تتخذ شكل موقف في الحياة, وعملية اكتشاف لما وراء التفاصيل العادية واليومية لذلك، لقد (فضل الوجوديون باستمرار، القصة والمسرحية لطرح المشكلات الإنسانية والميتافيزيقية؛ وكثير منهم تجنب البحث النظري الفلسفي المباشر، ذلك لأن العلاقة التي تربط الإنسان بالعالم، هي في صميمها، فعل وعاطفة قبل أن تكون فكراً وتصوراً؛ فالقصة تسمح للفيلسوف بأن يقف على الانبثاق الأصلي للوجود في حقيقته الكاملة: النوعية والتاريخية)(11).‏

لكن التساؤل الذي يعنينا في مقاربتنا هذه هو: التأثير الفلسفي على القصة لا التوظيف القصصي للفلسفة، ومن هذا المنطلق كان لابد أن نتعرف على الآتي :

-تأثير الفلسفة على القاص.

-تأثير الفلسفة على النص.

-تأثير الفلسفة على المتلقي.

تأثير الفلسفة على القاص:

       انعكست ديناميكية الحياة على مظاهر النشاط القصصي للقاص, فالقصة تحكي حكاية، وكلما تجردت من الزوائد والتفاصيل الصغيرة التي تعيش عليها كلما قل اعجابنا بها, فالحكاية هي العمود الفقري في القصة, وكلنا يستطيع أن يحكي قصة, ويذكر “فورستر”(12): (أن الحكاية عبارة عن قص حوادث حسب ترتيبها الزمني – يأتي فيها الغداء بعد الإفطار, والثلاثاء بعد الاثنين والانحلال بعد الموت, وهكذا.. )؛ والحياة اليومية يحكمها الزمن, فنعيش بالزمن حينا، وأحيانا حياةً بالقيم؛ ونحن كبشر نقبع ما بين هذين المفهومين, فالقصة تحكي عن حياتنا في الزمن وشعورنا الأكثر طبيعية واستمرارية, وتؤكد “سيمون دوبوفوار” على: (أن كل تجربة إنسانية لها بعد سيكولوجي معين، وفي حين أن الفكر النظري يستخلص هذه الدلالات ويعممها على نطاق مجرد، نجد الروائي يحييها في تفردها العيني، إن(بروست)، باعتباره تلميذ(ريبو)، يضجرنا ولا يعلمنا شيئاً، لكن(بروست) الروائي الأصيل يكشف عن حقائق لم يقترح أي مفكر نظري في معادلها المجرد) (13)؛ وهذا ينعكس أيضًا على القصة،  لذلك نجدها تحفل بإيقاع حيوي وتنوع كبير, ما أدى بالقاص للابتعاد  عن السياقات الرتيبة واتجه نحو الوعي للبحث عن نموذج لتشكيل إيقاعاتها وحسها وتغيراتها, حيث يضمر القاص معنى داخل المعنى نفسه فيخترع المعنى ثم يتدرج الحدث من صورة إلى صورة أخرى, مع تعمق وثراء في تفاصيل المعنى ومتانة في بنائه القصصي.

       لقد كان الفلاسفة منذ أفلاطون يبحثون عن الحقيقة ويتجنبون كل أشكال التفكير اللامعقول، ولأن منطق التفلسف يستخدم  للبحث عن الحقائق, و تقديم رؤية كلية في محاولة  لتفسير الوجود وحركته والإنسان ومصيره, فقد ارتكزت على موضوع ومنهج خاص ومبادئ, على عكس الفن القصصي الذي لا يبنى حقيقة بل يغلب عليه الخيال,  لذا كان لابد للقاص أن يمتلك الحس العميق، وهذا الحس يتوحد مع كل ما حوله في الوجود  عن طريق بعد مجازي تخيلي يعبر بها القاص عن تجربته وحياته بشكل مطلق عن طريق اللغة التي هي صياغة للأفكار والمفاهيم, فاللغة فعل؛ وهي أداة القاص للتعبير, لذلك كان لابد للقاص من اعادة ترتيب العلاقة بين أفكاره، وفكرة أن يربط ويفسر اللامعقول بالعقلاني, فالفلسفة بالمعنى الذي طورها فيه “فوكو” هي: (التفكير في اللامفكر فيه), وهذا يقود إلى تحفيز الخيال وملكة القص والتأويل الدائم لكل فكرة تطرأ على بال القاص, فيجمع القاص مابين العفوية والإبداع والانفتاح على أنساق مختلفة من الأفكار والتجارب, (فقد أمد الأدب بشكله العام الفلسفة بأشكال تعبير بالغة النجاح عبرت بالفكر الفلسفي من صيغة المعادلة الباردة الجامدة، إلى دفء وحرارة الحياة، فشيوع فلسفات كثيرة، مدين بالأساس لأشكالها الأدبية في حالات كثيرة، فالذين يكتشفون وجودية”سارتر” من خلال أعماله الأدبية، هم أكثر بكثير من الذين يكتشفونه من خلال كتابه الفلسفي (الوجود والعدم)؛ ذلك أن الأثر الذي يتركه المسرح السارتري مثالاً في المتقبل، هو أكثر نفوذاً من تأثير أعماله الفلسفية الأخرى البالغة التعقيد)(14).

       إن المقصود هنا ليس فقط توظيف القصة لخدمة الأغراض الفلسفية، وإنما تتجاوزه إلى منح القاص الوعي الفلسفي الكافي والذي لا ينعكس على موضوع القصة فحسب، وإنما على بنائها الفني، والتجريب والتحديث في أشكالها السردية، ما ينهض بالفن القصصي وأدواره.   

تأثير الفلسفة على النص :       

       إن البعد الفلسفي في القصة أصبح ضرورة فنية ضمن السياقات الفنية الأخرى التي تدخل في صناعة النص، ولم يعد يقتصر تأثير الفلسفة على الجوانب الدلالية للنص والمحتوى, وإنما تجاوز ذلك إلى اللغة والأسلوب وطريقة تنظيم المعاني وخصائص البنى الجمالية بصفة عامة، أي أنه اهتم بكلا الجانبين: الشكل والمضمون؛ وهذا منح النص القصصي توسعًا في أبعاده وتعمقًا في خلفياته، فالنص القصصي الفلسفي  ليس هو ذلك النص الذي يحمل من الفلسفة واجهتها النظرية فقط، بل أنه يمتلك ما هو أكثر عمقاً، عملية التفلسف القائمة أساسًا على الموقف والبعد، دون أن يفقد جماليته، وتفرده الخاص المميز؛ ‏فبعد أن تطورت العلاقة بين القصة والنقد وانتشرت الافكار الفلسفية جاءت التجربة القصصية الفلسفية لتؤكد عمق النص القصصي الذي تحكمه شروط الإنتاج، وعناصر أخرى مجتمعة ومنتظمة ومترابطة، تشكل نظامًا قائمًا بذاته ومقفل على نفسه, والمتلقي بفطرته قادر على كشف عن هذا الترابط القائم في النص القصصي, بالرغم من أن القصة هي حركة تجمع ما بين متناقضات أحيانا كالموت والحياة, والبحث في النفس والوجود, والخير والشر المتداعي, -أي أن الحياة كلها هي بواعث للقصة لرؤية الحقيقة-.

       إن على المبدع القاص أن يولي إنتاجه عناية خاصة قبل اخراجه للجمهور الذي يتفاعل معه على أساس مجرد, -على الرغم من أن القاص والمتلقي يعرفان بعضهما من خلال النص القصصي ويتصرفان وفق هذه المعرفة التي بنيت انطلاقا من عملية القص-؛ فالقاص لا يعرف شيئاً عن متلقيه, ولا يعرف كيف ستكون قراءته للقصة, كما انه يجهل الوضع الاجتماعي والثقافي والفكري والنفسي للمتلقي, فالنص القصصي لا يكتسب قيمته إلا من خلال الاثر الذي يخلقه على المتلقي فيتكون لدينا مثلث متكامل وهو (مبدع , نص, ومتلقي ).

       والقصة هي تعبير عن القاص نفسه, ولكنه لا ينحصر في ذاته فقط بل هو كما اسلفنا مشاركةً ما بينه وبين المتلقي, والقيمة الحقيقية للنص القصصي  هي التي تعكس ذات المبدع والمتلقي والواقع.

       وما من نص قصصي إلا ويستهدف نوعاً محدداً من المتلقين حيث يوظف جملاً ودلالات لغوية قد تكون مضمرة أو مفهومة, وقد بات النص هو الوسيط بين المبدع والمتلقي, ولا يخفى أن زمان ومكان النص من العناصر الاساسية التي تشكل العمل القصصي, و تلقي النص القصصي يهيج ملكات القارئ الفكرية والعاطفية، ما يقود إلى مبدأ ارتباط المتلقي بالنص القصصي وأهمية الأحاسيس تجاهه، وهذه تتحكم فيها القدرة الإبداعية للقاص.

       ولكن ما نوع العلاقة بين الفلسفة والنص وأي منهما سبق الدور المعرفي للآخر, وللإجابة على هذا السؤال نشير الى أن تعاملنا مع الفلسفة هو تعامل ذاتي يخص أذهاننا وأفكارنا, أما النص القصصي فله وجود موضوعي ونعبر عنه بالشيء في ذاته, ومن ثم فالعلاقة بينهما تتحدد بالعلاقة بين الذاتي والموضوعي, لذلك من المستحيل أن يحدد الموضوعي ما هو ذاتي؛ وبمعنى آخر: إن التعامل مع النص القصصي متوقف على الارتباط بالأمر الذاتي ومن ثم الموضوعي، والعلاقة بينهما: فعل وانفعال، والفعل هو نتاج الذاتي وعليه يتحدد الانفعال الموضوعي للنص القصصي فهو بحكم طبيعة بنائه الخاص، لا يستطيع إلا أن يكون محصلة للمعايير المعرفية والجمالية العامة.

تأثير الفلسفة على المتلقي:

       إن المتلقي مطالب بأن يكون لديه زاد معرفي يؤهله لفهم النص القصصي وعلى هذا يقول “نورمان هولاند”: (أن قراءة القارئ للنص إنما هي قراءة لهويته هو، إن القارئ يضم خيوط هويته فينسجها خلال استجابته للعناصر التي يتكون منها النص)) 15 (، وهذا يؤكد لنا أن دور المتلقي (مهمته) في الدرجة الأولى تأويليه, فهو من يوضح معاني النص, وهذا التوضيح لا يجب أن يكون على معنى واحد وبشكل سطحي وعلى نسق واحد بل يجب أن يتعداه إلى البحث في تأويل معناه الكامن والجوهري، وهذا لا يتأتى من القراءة العابرة للنص بل يأتي من تفكيك النص وتأويله على عدة أوجه وبشكل عميق وجوهري إلى حد أنه كلما أعاد القراءة اكتشف معنى آخر؛ وهذا لا يتحقق إلا من خلال القراءة العميقة والصحيحة والتي تحد المعنى عن طريق التحليل الذي يعود على عقلية المتلقي, فالقارئ مهمته أن يُعمل فكره من أجل أن يفهم ويكتشف المعنى الدقيق للنص الذي قرأه, لأن النص تصور مركب, ولا يُدرك إلا بشكل حسي وهذا يتوقف على المتلقي, والتلقي هي عملية مشتركة بين النص بكل ما فيه من تجربة يطرحها الكاتب وبين المتلقي الذي يتعامل مع النص ويتلقاه بطريقة فنية وذوقية وجمالية وهذه العلاقة بينهما تمثل (بناء هرميا، قمته النص في لغته ومعطياته، وقاعدته المتلقي والأديب وهي علاقة قد لا تبدو واضحة وضوح الحس بهذا الشكل التنظيمي ولكنها علاقة ذهنية تفرض نفسها على المتلقي ناقدا أو قارئا أو مستمعا) (16), وهذا التواصل بين النص والمتلقي ما هو إلا اشراك فعلي للمتلقي فحضوره أضحى موجودًا من بدايات كتابة النص القصصي,وتطور انتقاله من مجرد متلقي إلى شريك،ولن تتأتى تلك المقدرة للقارئ إلا بوعي فلسفي يمكنه من التقاط التساؤلات الجوهرية  وقدرة على التفلسف.

*سننطلق في دراسة علاقة الفلسفة بالقصة من نموذج قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل-رغم أن هذه القصة قد أعاد عدد من الفلاسفة كتابتها-، وسنتناولها من ناحية كيف أن الفلسفة جعلت ابن الطفيل يكتب قصة بالمواصفات الفنية التي استقرت بعد كتابته بعقود.

       بمعنى كيف تعطي الفلسفة بعدًا للقاص والنص وحتى المتلقي؟، حيث أن القصة على مر الزمن لازالت تثير المتلقي.

       إن هناك علاقة تكاملية بين الفلسفة والقصة، باعتبارهما يستجليان مختلف مظاهر الوجود الإنساني، ومنذ نشأة الفلسفة كانت الأفكار الفلسفية يعبر عنها عن طريق استحضار عالم الخيال والرمز في قالب فني, وقد تدرج هذا الاستخدام حتى وصل القمة في قصة (حي بن يقظان) لأبن الطفيل والذي قدم لنا فكرة الفلسفة بشكل فني عن طريق القصة؛ وقد تجلى دور القاص هنا في البحث عن الحقائق العميقة للوجود الإنساني، جاعلاً منها تجربة سردية مثيرة، تدفع بالقارئ أثناء قراءته لها إلى أفق مليء بالدهشة والتساؤل، إذ أنها تتيح له التوسع في أفقه المعرفي، والإمتلاء بالكثير من التساؤلات الفطرية التي وصلت ببطل القصة (حي بن يقظان) الى سلم المعرفة بالحقائق الأساسية للعلم والإيمان، وقد كتب ابن الطفيل هذه القصة رداً على صديق طلب إليه شرح الفلسفة الاشراقية عند ابن سينا, وكذلك هدف منها إلى إحداث مصالحة مابين الدين والفلسفة والعقل والإيمان وإحداث التوافق بينهما.

       وحي بن يقظان هو رمز لنمط الحياة الصوفية التأملية, حيث لم يأتي اسم حي بن يقظان عشوائيا بل كان له دلالات ورموز ف (حي) ترمز إلى العقل الفاعل بالتفكير والمليء بالتساؤلات, وهي عقل حي دائم؛ أما (ابن يقظان) فتعني القيوم الذي لا ينام له جفن, ويرشد الإنسان إلى الحقيقة عبر المنطق، وهنا ما بات يعرف في القراءات النقدية الحديثة بعتبة العنوان(15)، وحياة حي بن يقظان تمر في سبع مراحل: أما الأولى فهي إرضاع الظبية لحي وحضانتها ورعايتها له حتى عمر سبع سنوات؛ ثم بعد ذلك وفاة الظبية وتشريحها من قبل حي لمعرفة سبب الوفاة، وهنا بدأت تتكون عند حي المعرفة عن طريق الحواس والتجربة؛ أما المرحلة الثالثة فكانت في اكتشاف النار؛ أما المرحلة الرابعة فكانت في تصفحه لجميع الأجسام التي كانت موجودة حوله، فكان بذلك يكتشف الوحدة والتجمع، في الجسم والروح، واكتشف تشابه الكائنات في المادة واختلافها في الصور؛ أما المرحلة الخامسة فكانت في اكتشاف الفناء وهذا شجعه إلى الخروج من رصده إلى معارف في العالم بقدمه وحدوثه؛ عند بلوغه الخامسة والثلاثين من عمره، بدأ حي مرحلته السادسة وهي الاستنتاج بعد التفكير، فتوصل إلى أن النفس منفصلة عن الجسد وفي التوق إلى واجب الوجود، وأخيرًا، يصر حي بن يقظان في المرحلة السابعة على أن سعادته تكون في ديمومة المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود ورغبته في البقاء داخل حياة رسمها هو لنفسه(17) .

       وقد حوت قصة حي بن يقظان جميع صيغ المعارف الإنسانية فمن قواعد ديكارت الأربعة, اليقين/التركيب/التحليل/الإحصاء، إلى نهج المعرفة والذي له الكثير من الأشكال عند ابن الطفيل وهي: (النظر,المراقبة, المحاكاة, الملاحظة, الاكتشاف, المصادفة, الحاجة, التجربة, الاختبار, المقارنة, القياس, الاستنتاج, الحدس, التصرف)، فالمعرفة لدية هي شيء مكتسب, إلا أن ديكارت تميز بالإجمال خلافاً لأبن الطفيل الذي أهتم بالتفاصيل فقد خطى خطوات أكثر من ديكارت في هذا المجال.

       يتضح لنا من قصة حي بن يقظان أن الشكل الفني له الدور الأكبر في التعبير عن الأفكار الفلسفية لابن الطفيل, فكان أن استخدام تقنيات فن القصة التي لامس قواعدها لأول مرة, وهذه القواعد تمثل أساسيات يجب الاسترشاد بها عند كتابة القصة, وأول هذه القواعد هي المتلقي، المتلقي باعتباره من طرح الأسئلة على ابن الطفيل من أجل أن يشرح وجهة نظره, وكذلك أي قارئ له, فالقارئ هو عين الكاتب التي لا تخون, لذلك جذب القارئ في غرابة القصة والإبحار في خيال جامح ولّد كون من الأسئلة, وكذلك الشخصية (حي) فهو شخصية مثيرة وجاذبة بتفكيرها وبكيفية تعاملها مع الحدث, فالقصة في البداية وردت على شكل رسالة, وقصة بنفس الوقت, فقد برع الكاتب في تصوير الأحداث, والشخصيات, والأماكن, وتلاعبه في الصور بطريقة مشوقة ومثيرة؛ كذلك استيفائه لجميع عناصر القصة من مقدمة ومتن (عقدة) ونهاية, حيث استطاع أن يجذب القارئ عن طريق التمهيد له بمقدمة تجعله يتفاعل معه ويتهيأ روحيا ونفسيا وفكريا لاستقبال أحداث القصة, أيضًا الاستطراد والوصف والتفصيل, ولفت انتباه القارئ إلى مغزى ما يقول, واستخدم الاستدلالات, وكان أن استعان في بعض المواضع في قصته بآيات قرآنية (التناص), والتمكن من توظيف اللغة؛ حيث أستخدم جميع الحيل اللغوية من أجل أن يضلل القارئ أحيانا, وأن يجعله يكتشف الفكرة التي يسعى الكاتب إليها, أيضا التناقضات التي يحملها الكاتب وكأنه يرشد القارئ إلى اتخاذ موقف للبحث عن الحقيقية بغض النظر عن رأي الكاتب، لذلك هو لا يعطي رأيه بل يعطي الرأي ونقيضه, فتشويق القارئ وجعله يكتشف المقاصد من المواقف والأحداث في القصة هو الأساس، أيضاً شخصيات القصة والبطل كان اختيارهم بشكل ذكي وعميق, وشخصية حي بن يقظان شخصية مثيرة للتعاطف الإنساني, ولديها معاناة, ولكنه لم يجعل هذه الشخصية تئن حتى لا يصاب القارئ بالملل, فالشخصية كان لها هدف واضح المعالم, وأسماء الشخصيات لها مدلولات ف (حي بن يقظان) و(اسآل ) و(سلامان) و(الظبية) أسماء لها مدلولاتها ومعانيها التي تشرح طبيعة الشخصية. 

       وقد كان تصوير ابن الطفيل في هذه القصة تصويراً غنياً في أحداثة بحيث يصف عالم حي بن يقظان بكل ما فيه من تناقضات واكتشافات كوحدة كاملة بشكل يحدث أثراً فورياً, حيث كانت هذه القصة مرآة للأفكار والمعارف التي يحملها ابن الطفيل, والذي يثير في القارئ ضرورة التفكير والتغيير بكل ما حوله, وإيصال هذه الأفكار والتساؤلات لم تتم إلا بسرد هذه القصة الفلسفية الغنية بروائع الاكتشاف؛ وما كان له أن يدرك كل تلك التقنيات الفنية التي أصبحت بعده بقرون علمًا مستقرًا له مذاهبه النقدية، إلاّ لامتلاكه الوعي الفلسفي القادر على التأسيس والاستشراف.

وفي الختام نستخلص الآتي  :

  • إن استخدام الفلسفة في القصة سوف يزيدها عمقاً, ويكشف عن دلالاتها الجوهرية, ويمنحها مادة فكرية تعالج المواضيع الأدبية  بجميع أشكالها .
  • على القصة أن تولد نصوص فلسفية تعالج هويتها فهي الفكر الذي ينتجه الأدب ويصل إلى عمق الأشياء .
  • أن علاقة القصة بالفلسفة لابد أن تكون علاقة بالحقيقة والتي تستدعي فهما مجردا, وتجعل تجلياتها الخاصة تسد الثغرات والفراغ التي يبنى عليها كل تفكير.
  • أن الأدب يقول ما يحيك في ضمير الفلسفة سواء في التاريخ أو غيره لذلك على القاص أن يأخذ بيد جمهوره  محاولاً غرس حب حقيقي للأدب والفكر بداخلهم, من اجل التوصل إلى معرفة واعية بدور الأدب في التقدم .
  • يجب أن يمهد القاص للنضج الفني في نصوصه الأدبية النظرية والتطبيقية،  ولن يتأتى ذلك إلاّ بدراسة المذاهب الفلسفية دراسة فاحصة متأنية واعية,
    و دراسة هذه الاتجاهات وبحثها, من أجل التوثيق  بين الإنتاج الأدبي وجمهور المتلقين توثيقاً حقيقياً تدعمه الفلسفة، ليخرجوا بمذهب أدبي يساير روح العصر الذي نعيشه .

المراجع :

1- رولان بارت: النقد البنيوي للحكاية – ترجمة أنطون أبو زيد – منشورات عويدات- بيروت – 1988- ص95.

2- رولان بارت: التحليل البنيوي للسرد _ ( ترجمة حسن بحراوي، بشير القمري، عبد الحميد مقلد_ سلسلة ملفات 1992/1- منشورات اتحاد كتاب المغرب- طرائق تحليل السرد الأدبي- 1999- ص9.

3-شليخ (1775 – 1854) فيلسوف ألماني من أتباع الكانتية، ساعد على قيام الحركة الرومانسية.

4- الإلياذة والأوديسة: هما ملحمتان شعريتان لـ”هوميروس” من اليونان تتكون كل منهما من 24 نشيداً ترويان أخبار حرب طروادة بين الإغريق.

5-فلسفة الجمال: أبو ريان، ص37.

6-كتابة القصة القصيرة: هالي بيرنت ,ترجمة :احمد عمر شاهين ,1996م-العدد547-ص21.

7- أثر ألف ليلة وليلة في أدب فولتير القصصي حالة زاديج أو القدر :د.الشريفي عبدالواحد معهد اللغة والأدب العربي‏, جامعة وهران,الجزائر.

http://www.startimes.com/?t=13067065

8-المرجع السابق

9- نظرية الأدب الوجودية والنقد الأدبي, إبراهيم علي http://www.startimes.com/f.aspx?t=30633316

10 – سهيل إدريس: (الآداب): ع7. س15. ص41.‏

11- أركان القصة: إ.م فورستر, ترجمة كمال عياد جاد, 2001م,ص47.

12-“الوجودية وحكمة الشعوب.” ترجمة: جورج طربيشي. دار الأدب 1962 ص80- 81.‏

13-نظرية الأدب الوجودية والنقد الأدبي, إبراهيم علي http://www.startimes.com/f.aspx?t=30633316

14- فولفغانغ إيزر – فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب في الأدب – ت: د. حميد لحمداني، د.

الجلالي الكدية – مكتبة المناهل، فاس – ب ط.

15- د. محمود عباس عبد الواحد – قراءة النص وجماليات، بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي ( دراسة مقارنة) – دار الفكر العربي، مدينة نصر – ط: الأولى 1996م.

16- العنوان: (مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن أن تدرج على رأس نص لتحدده، وتدل على محتواه، وتغري الجمهور المقصود بالقراءة).

أنظر: شعرية عنوان الساق على الساق فيما هو الفرياق، الهادي المطوي، مجلة عالم الفكر/ مجلد 28، عدد1، 1999: 456.‏

17-انور ابو بندورة-الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان عند ابن الطفيل (2006م) http://www.diwanalarab.com/spip.php?article4706

0 0 vote
Article Rating
الإشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
للأعلى